القرطبي
82
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الراعية . وقرئ " يجعل صدره ضيقا حرجا " و " حرجا " . وهو بمنزلة الوحد والوحد والفرد والفرد والدنف والدنف ، في معنى واحد ، وحكاه غيره عن الفراء . وقد حرج صدره يحرج حرجا . والحرج الإثم . والحرج أيضا : الناقة الضامرة . ويقال : الطويلة على وجه الأرض ، عن أبي زيد ، فهو لفظ مشترك . والحرج : خشب يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى ، عن الأصمعي . وهو قول امرئ القيس : فإما تريني في رحالة جابر * على حرج كالقر تخفق أكفاني ( 1 ) وربما وضع فوق نعش النساء ، قال عنترة يصف ظليما : يتبعن قلة رأسه وكأنه * حرج على نعش لهن مخيم ( 2 ) وقال الزجاج : الحرج : أضيق الضيق . فإذا قيل . فلان حرج الصدر ، فالمعنى ذو حرج في صدره . فإذا قيل : حرج فهو فاعل . قال النحاس : حرج اسم الفاعل ، وحرج مصدر وصف به ، كما يقال : رجل عدل ورضا . قوله تعالى : ( كأنما يصعد في السماء ) قرأه ابن كثير بإسكان الصاد مخففا ، من الصعود هو الطلوع . شبه الله الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه ، كما أن صعود السماء لا يطاق . وكذلك يصاعد وأصله يتصاعد ، أدغمت التاء في الصاد ، وهي قراءة أبي ، بكر والنخعي ، إلا أن فيه معنى فعل شئ بعد شئ ، وذلك أثقل على فاعله . وقرأ الباقون بالتشديد من غير ألف ، وهو كالذي قبله . معناه يتكلف ما لا يطيق شيئا بعد شئ ، كقولك : يتجرع ويتفوق ( 3 ) . وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ " كأنما يتصعد " . قال النحاس : ومعنى هذه القراءة وقراءة من قرأ يصعد ويصاعد واحد . والمعنى فيهما أن الكافر من ضيق صدره كأنه يريد أن يصعد إلى السماء وهو لا يقدر على ذلك ،
--> ( 1 ) أراد بالرحالة الخشب الذي يحمل عليه في مرضه . وأراد بالأكفان ثيابه التي عليه ، لأنه قدر أنها ثيابه التي يدفن فيها . وخفقها ضرب الريح لها . وأراد بجابر جابر بن حنى التغلبي وكان معه في بلاد الروم ، فلما اشتدت علته صنع له من الخشب شيئا كالقر يحمل فيه ، والقر : مركب من مراكب الرجال بين الرحل والسرج . ( عن اللسان مادة حرج ) . ( 2 ) وصف نعامة يتبعها رئالها وهو يبسط جناحيه ويجعلها تحته . ( 3 ) تفوق شرابه : شربه شيئا بعد شئ .